أحمد مصطفى المراغي
149
تفسير المراغي
ثم رغبهم في المغفرة فقال : ( إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) أي إنه تعالى مبالغ في المغفرة والرحمة لمن استغفره . ( وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) هذا الخطاب وجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو أعدل الناس وأكملهم مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة في كثير من الحكام ، وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم ، لأن ضررها عائد إليهم ، والذين يختانون هم هذا السارق ومن عاونه ، لأنه شريك له في الإثم والخيانة ، ولهم نظراء في كل زمان ومكان . وخلاصة المعنى - لا تدافع عن هؤلاء الخونة ولا تساعدهم عند التخاصم . ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) المراد بعدم الحب البغض والسخط : أي إن اللّه يبغض من اعتاد الخيانة وألفت نفسه اجتراح السيئات وضريت عليها ولم يعدّ للعقاب الإلهىّ الرهبة والخشية التي ينبغي أن يفكّر مثله فيها ، وإنما يحب اللّه أهل الأمانة والاستقامة . ثم بين أحوال الخائنين ، ونعى عليهم أفعالهم فقال : ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) أي إن شأن هؤلاء الخوانين أنهم يستترون من الناس عند اجتراحهم الآثام إما حياء وإما خوفا من ضررهم ، ولا يستترون من اللّه ولا يستحيون منه بتركها لضعف إيمانهم ، إذ الإيمان يمنع من الإصرار وتكرار الذنب ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة أو جهالة عارضة لا تدوم ، فمن يعلم أن اللّه يراه في حنادس الظلمات لا بد أن يترك الذنب والخيانة حياء منه تعالى وخوفا من عقابه ، وهو تعالى شاهدهم حين يدبرون ليلا ما لا يرضى من القول ، تبرئة لأنفسهم ورمى غيرهم بجريمتهم . ثم توعدهم على عظيم جرمهم فقال : ( وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) أي حافظا لأعمالهم ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه . ثم حذر المؤمنين من مساعدة هؤلاء الخوانين والحدب عليهم فقال :